النويري
27
نهاية الأرب في فنون الأدب
الذبائح لتمنع « 1 » عن نفسها [ من أرادها ] إلا من قرّب إليها وعمل لها أعمال الوصول فإنه يصل إليها . قال : وذكر القبط أنه كتب عليها اسم الملك والوقت الذي بناها فيه ، ويقول : إنا بنيناها في ستّ سنين « 2 » فقل لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة سنة فإن الهدم أهون من البنيان . وإنا كسوناها الدّيباج الملوّن المذهب المرقوم بالذهب فقل لمن يأتي بعدنا يكسوها حصيرا . فنظروا فوجدوا أحدا لا يقوم بهدمها وكسوتها لأنه لا يستطاع ذلك ولا يقدر عليه . قال : وحكى عن هذه الأهرام عجائب يطول الشرح بذكرها ؛ منها أن المأمون لمّا دخل إلى مصر أحبّ أن يهدم أحدها ليعلم ما فيها ، فقيل له : إنك لا تقدر على ذلك . فقال : لا بدّ من فتح شئ « 3 » منه . فعولجت الثّلمة المفتوحة منه فأنفق عليها مالا كثيرا لنار توقد وخلّ يرشّ ومنجنيقات ترمى بها ، فوجد عرض الحائط قريبا من عشرين ذراعا . فلما انتهوا إلى داخل الهرم وجدوا خلف الحائط عند النقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب دنانير ، وزن كل دينار أوقية « 4 » من أواقينا ، وكان عددها ألف دينار ، فعجبوا من ذلك ولم يعرفوا ما معناه ، ثم أتى المأمون بالذهب والمطهرة فجعل يتعجّب من الذهب وحسنه وجودته وحمرته ، فقال : ارفعوا لي حساب ما أنفقتموه على هذه الثّلمة ففعلوا ، فوجده بإزاء المال الذي أصابوه لا يزيد ولا ينقص . فعجب المأمون من معرفتهم على طول المدد بأنهم سيفتحونه من ذلك الموضع بعينه ، ومعرفتهم بمقدار ما ينفق عليه وتركهم مقداره
--> « 1 » في الأصلين : « فتمنع » والتصويب من خطط المقريزي . « 2 » في الأصلين : « في ستة أشهر » . « 3 » وكان ذلك في سنة ست عشرة ومائتين كما في صبح الأعشى ج 3 ص 325 . « 4 » بهامش نسخة ب ما نصه : « الأوقية هي سبعة مثاقيل زنّها أربعون درهما فيما مضى . وأوقية الأطباء عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم وهو أستار وثلثا أستار ، وأوقية بزر القز إثنا عشر درهما » .